الشيخ محمد رشيد رضا

473

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

من برابيهم « 1 » ونواويس قبورهم إلى يومنا هذا الذي أكتب فيه تفسير هذه الآيات وتحفظ في دار الآثار المصرية ، ويوجد مثلها دور أخرى في عواصم بلاد الإفرنج ملأى بأمثالها . فاللام في قوله ( لِيُضِلُّوا ) تسمى لام العاقبة والصيرورة وهي الدالة على أن ما بعدها أثر وغاية فعلية لمتعلقها يترتب عليه بالفعل لا بالسببية ولا بقصد فاعل الفعل الذي تتعلق به كقوله تعالى في موسى عليه السّلام ( فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً ) ويميز بينها وبين لام كي الدالة على علة الفعل بالقرينة . وجعلها بعضهم هنا منها وحملوها على الاستدراج أي آتيتهم ذلك لكي يضلوا الناس فيستحقوا العقاب ، وقد يعززه قوله رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ يقال طمس الأثر وطمسته الريح إذا زال حتى لا يرى أولا يعرف ( وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ ) وهو يصدق بالعمى وبعدم الانتفاع بها كما سبق قريبا في قوله ( وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَ فَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ ) واتفقوا على أن المراد بالعمى هنا عمى البصيرة لا البصر ، والمعنى هنا ربنا امحق أموالهم بالآفات التي تصيب حرثهم وأنعامهم وتنقص مكاسبهم وثمراتهم وغلاتهم فيذوقوا ذل الحاجة وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ أي اطبع عليها ، وزدها قساوة وإصرارا وعنادا ، حتى يستحقوا تعجيل عقابك فتعاقبهم فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ هذا جواب للدعاء أو دعاء آخر بلفظ النهي متمم له . وقد روي أن موسى دعا بهذا الدعاء ، وأمن هارون عليهما السّلام كما هو المعتاد ، فاستجاب اللّه تعالى لهما بقوله 89 * * * قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما أي قبلت ، وإذا قبلت نفذت فَاسْتَقِيما على ما أنتما عليه من دعوة فرعون وقومه إلى الحق ، ومن إعداد بني إسرائيل للخروج من مصر . وعن ابن عباس ( رض ) فامضيا لأمري وهو الاستقامة وَلا تَتَّبِعانِّ

--> ( 1 ) البرابي مباني بشكل غريب جمع بربى بالفتح والقصر وقد تكتب بربا ، وهي كلمة قبطية معناها المعبد والهيكل ، والنواويس صناديق من الحجارة توضع فيها جثث الموتى . والركاز الأموال التي كان الأقدمون يدفنونها في الأرض من ركزه إذا أثبته فهو ككتاب بمعنى مكتوب